يحيي بن حمزة العلوي اليمني
51
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
اعلم أن مدار الإيجاز على الحذف ؛ لأن موضوعه على الاختصار ، وذلك إنما يكون بحذف ما لا يخل بالمعنى ، ولا ينقص من البلاغة ، بل أقول : لو ظهر المحذوف لنزل قدر الكلام عن علو بلاغته ، ولصار إلى شيء مسترك مسترذل ، ولكان مبطلا لما يظهر على الكلام من الطلاوة والحسن والرقة ، ولا بدّ من الدلالة على ذلك المحذوف ، فإن لم يكن هناك دلالة عليه فإنه يكون لغوا من الحديث ، ولا يجوز الاعتماد عليه ، ولا يحكم عليه بكونه محذوفا بحال ، ويظهر المحذوف من جهتين ؛ إحداهما من جهة الإعراب على معنى أن الدال على المحذوف هو من طريق الإعراب ، وهذا كقولك : أهلا وسهلا ، فإنه لا بدّ لهما من ناصب ينصبهما يكون محذوفا لأنهما مفعولان في المعنى ، وثانيهما لا من جهة الإعراب ، وهذا كقولنا : فلان يعطى ويمنع ، ويصل ويقطع ، فإن تقدير المحذوف لا يظهر من جهة إعرابه ، وإنما يكون ظاهرا من جهة المعنى ؛ لأن معناه فلان يعطى المال ، ويمنع الذمار ، ويصل الأرحام ، ويقطع الأمور برأيه ويفصلها ، ثم الإيجاز تارة يكون بحذف الجمل ، ومرة بكون بحذف المفردات ، وأخرى من غير حذف ، فهذه ثلاثة أقسام يندرج تحتها جميع ما نريده من أسرار الإيجاز : القسم الأول في بيان [ الإيجاز بحذف الجمل ] اعلم أن حذف الجمل له في البلاغة مدخل عظيم ، وأكثر ما يرد في كتاب الله تعالى ، وما ذاك إلا من أجل رسوخ قدمه ، وظهور أثره ، واشتهار علمه ، ويرد على ضروب أربعة : الضرب الأول : منها [ حذف الأسئلة المقدّرة ] ، ويلقب في علوم البيان بالاستئناف ، ثم هو يجرى على وجهين : الوجه الأول : أن يكون استئنافا بإعادة الصفات المتقدمة ، ومثاله قوله تعالى في صدر سورة البقرة : هُدىً لِلْمُتَّقِينَ ( 2 ) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [ البقرة : 2 - 3 ] إلى قوله : أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ [ البقرة : 5 ] لأنه لما عدد صفات المتقين بالإيمان بالغيب ، وبإقامة الصلاة ، وبالإنفاق ، إلى آخر ما قرره من صفاتهم الحسنة ، اتّجه لسائل أن يسأل بأن هؤلاء قد اختصوا بهذه الصفات ، فهل يختصون بغيرها ، فأجيب عنه بأن الموصوفين بما تقدم من